الرد على أحد معارضي نظرية الأنماط

+2 تصويتات
سُئل سبتمبر 14، 2017 في تصنيف نظريات أخرى بواسطة Amr Sherif (1,139 نقاط)

 

السلام عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم

 

كنت أراجع الليلة التنبيهات على تويتر ولاحظت سؤالاً من الأخت أَرْوَى عن رأيي في أحد الفيديوهات التي تنتقد نظريات الأنماط، وعندما أدركت أن الفيديو يستغرق 50 دقيقة، أحضرت كراستي وقلماً لتسجيل الملاحظات والتي استغرقت مني حوالي ثلاث صفحات، فقمت بتلخيصها وقررت أن أفرد لها موضوعاً في هذا المجلس.

الفيديو:
https://www.youtube.com/watch?v=KOhXwpeTFy4&feature=youtu.be

 

1- في البداية عنوان الفيديو ينطوي على مغالطة واضحة، فهو يجمع في انتقاده ثلاثة نظريات مختلفة تماماً .. عمل كارل يونغ، مؤشر MBTI، ونظرية الـ Enneagram.

فمن ناحية، نجد أن عمل كارل يونغ الأصلي يهدف إلى فهم طريقة عمل وعي الإنسان من ناحية معرفية، وعلى عكس المتوقع فكارل يونغ رفض استخدام نظريته من أجل تصنيف الناس، وهذا أمر واضح جداً لكل من قرأ مقدمة كتابه Psychological Types! (كما هو مقتبس في الصورة) .. بالإضافة إلى أن مؤشر MBTI قام بتعديلات وإضافات لعمل يونغ الأصلي، مما أدى إلى تغيّر محتوى نظريته تماماً بهدف تبسيط النظرية وتيسير استخدامها.

ومن ناحية أخرى، نجد أن نظرية الـ Enneagram لا تُصنّف ضمن نظريات الأنماط أصلاً، وإنما تُصنّف ضمن نظريات السمات Traits Theory، وكذلك نظرية الـ Big Five (التي شملها في انتقاده في حوالي الدقيقة 18:20) .. فنظريات السمات لا تفترض أن لكل فرد نمط معين لا يتغير، وإنما تقوم بتحديد شخصية الإنسان من خلال سمات متعددة. ويمكنكم القراءة عن الفروق بين نظريات السمات والأنماط من الرابط التالي:
http://jwm.life/qa/index.php/910/show=910

فبينما يُفسّر عمل كارل يونغ طريقة عمل وعي الإنسان (من ناحية نفسية فلسفية)، تفسر نظرية MBTI طريقة سلوك الإنسان الواعية (من ناحية معرفية)، وتُفسّر نظرية الـ Enneagram سبب تصرف الإنسان بشكل معين (الدافع).

إذن، هناك اختلاف شاسع بين هذه النظريات الثلاث، والجمع بينهم في انتقاد واحد يفتقر إلى الدقة، وكان من الأجدر بصاحب الفيديو أن يعطي لنفسه المزيد من الوقت والدراسة لفهم المسائل جيداً وعدم الخلط بين الأمور.

 

2- أحد الأسباب التي جعلت صاحب الفيديو يرى أن نظرية الأنماط غير مقنعة علمياً، هو أن اختبارات الشخصية لا تعطي نتائج ثابتة، وإنما تعطي نتائج متغيرة، وأن هذا محلّ نقد الكثير من الدراسات لنظرية الأنماط.

بالنسبة للاختبار، فإن عدم الإجابة بشكل طبيعي سواء بشكل متعمد أو لسوء الفهم أو بسبب تغيرات مزاجية أو ضغوط خارجية، كل هذا يُغيّر من نتيجة الاختبار.

أيضاً اختبار الشخصية ليس دقيقاً ولا يمكن الاعتماد عليه وحده في تحديد النمط، لأنه يعتبر جزءاً من عملية تحديد النمط، فهو يُمثّل الجزء المتعلق بالتقييم الذاتي فقط self-assessment، ولا يمكن الاكتفاء به وحده، فالاختبار بمثابة مقياس يمدنا بنمط محتمل يسمى بالنمط الناتج أو Reported Type، وبالتالي محتمل جداً أن يختلف هذا النمط عن النمط المستنتج لنا أو Estimated Type، وهو النمط الذي قد يراه أحد الخبراء أو حتى قد يراه الفرد بنفسه من خلال القراءة والإطلاع في النظرية، وهذا الاختلاف غالباً ما يدفع بالشخص لاكتشاف نمطه الحقيقي True Type.

إذن الاختبار ليس خدعة وليس دليلاً على بطلان نظرية الأنماط، وإنما هو دليل قوي على دقة المؤشر وموثوقيته reliability and validity.

نعم، هناك انتقادات علمية موجّهة للنظرية حتى الآن، لكن هذا لا يجعل النظرية باطلة وغير علمية! .. الانتقادات العلمية تعتبر مكامن للتطوير، فنظرية الأنماط لا تُفسّر لنا كل شيء، لا تُفسّر لنا دوافع الناس، ولا تفسر لنا العلاقات، ولا تُفسر لنا السلوك المرضي للأشخاص، كما سيأتي لاحقاً.

 

3- من ضمن الأسباب الأخرى التي دفعت بصاحب الفيديو للاعتقاد ببطلان نظرية الأنماط، هو أنها تفتقر إلى أدلة علمية تجريبية، وبالتالي حَكَمَ عليها بأنها من العلوم الزائفة، تماماً مثل الأبراج.

هناك فرق بين العلوم الزائفة (مثل الأبراج) وبين العلوم المبتدئة Protoscience (مثل نظرية الأنماط) .. فالعلوم الزائفة غير قابلة للتخطئة ولا للتطور وتفتقر إلى الأدلة العلمية التجريبية، بينما العلوم المبتدئة عبارة عن مجموعة فرضيات لم يتم اختبارها بشكل كافي عبر المنهج العلمي، لكنها في الوقت ذاته قريبة ومتسقة مع العلوم الموجودة (اضغط هنا لمزيد من التفصيل).

مرة أخرى لا يمكننا تعميم الأحكام، فنظرية مثل نظرية ديفيد كيرسي ليس لها علاقة بالوظائف النفسية مطلقاً وإنما تعتمد بشكل أساسي على مدرسة الجشتلط Gestalt Psychology وعلى منهج سلوكي تجريبي Observational وهو منهج علمي يُستخدم في علم النفس بكثرة، ويتمثل في مراقبة سلوك الإنسان واختباره.

أيضاً علم النفس مصنف ضمن العلوم الإنسانية أو Social Sciences، وبالتالي فإن المناهج المستخدمة في نظرياته وأبحاثه تختلف تماماً عن تلك المناهج التي تُستخدم في العلوم الطبيعية أو Natural Sciences .. كما أن علم النفس خصوصاً يعتمد في تفسيره على نماذج متعددة، فالسلوك الواحد يمكن أن يُفسّر بأكثر من طريقة جميعها تحمل جزءاً من الصحة، فعلم النفس يضم مدارس مختلفة ويتعامل مع مناهج متفاوتة، فالطب النفسي الحديث لا يهتم بتفسير الحالات بقدر ما يهتم بعلاجها، وبالمقابل فإن مدارس أخرى كثيرة تهتم بتفسير الظواهر النفسية الطبيعية منها والمرضية.

إذن، تعدد التفسيرات والنماذج يدل على مدى تعقيد عقل الإنسان ولا يعني خطأ التفسيرات، كما أنه من غير المنصف أن نحاسب نظريات علم النفس بمناهج العلوم الأخرى.

الأبراج علماً زائفاً، لأنها غير قابلة للتخطئة .. نظرية الأنماط ليست علماً زائفاً، لأنها قابلة للتخطئة، وأكبر دليل على ذلك المنحى الزمني لتطور النظرية .. وأنصح القراء الأفاضل بالإطلاع على الفصل الثاني من كتاب The Shadows of Type حيث تناقش فيه مؤلفته Angelina Bennet العنصر المفقود Missing Element في نظرية الأنماط عن طريق عرض الخط الزمني لتطور نظريات الأنماط.

وفي الأخير، ننبه أن النمط يُمثّل جزءاً من شخصية الإنسان ولا يُعبّر عن شخصية الإنسان بأكملها، فمعتقدات الشخص الدينية وخلفيته الثقافية، كلها أمور خارج إطار نمط الشخصية وتتحكم فيها البيئة التي نشأ فيها الشخص، وبالتالي فإن شخصية كل فرد تختلف عن باقي الناس، والنمط لا يُفسّر إلا التفضيلات الطبيعية والميول الفطرية وهي خطوط عريضة تشترك فيها شخصيات الناس عموماً .. فالنمط ليس كل شيء.

 

4- من ضمن الأمور التي انتقدها صاحب الفيديو على الوظائف النفسية (الدقيقة 8:00)، هو اختلاف اتجاه الوظيفة الثالثة للأنماط، هل هي وظيفة انطوائية أم وظيفة انبساطية؟ واعتبر هذا تناقضاً يدل على بطلان النظرية.

نموذج الوظائف النفسية الرئيسية لمؤشر MBTI يشمل وظيفتين فقط، الوظيفة الأولى والثانية، وهذا يظهر من عرض الأنماط في كتاب Gifts Differing: Understanding Personality Type .. ثم طوّر جون بيبي نموذجاً أوسع للوظائف النفسية الثمانية، وصرّح في أحد مؤتمراته بأنه غير متأكد من ترتيب الوظائف وتحديد اتجاهها، ولذلك ظهر روجر بيرمان واختلف معه في تحديد الوظيفة الثالثة وأن اتجاهها يتفق مع اتجاه الوظيفة الثانية ولا يخالفها، وزعم أن عمل مايرز بريجز يتوافق مع نموذجه هذا، وله أدلة على ذلك عرضها في موقعه:
https://www.qualifying.org/talent-management/role-attitude-function.php

إذن، هذه الاجتهادات لا تعتبر من صميم عمل مايرز بريجز وإنما هي محاولة للجمع بين الوظائف النفسية الثمانية وأنماط الشخصية، وإلا فإن نظرية يونغ الأصلية تفترض أن كل إنسان يستخدم الوظائف النفسية الثمانية جميعها، وإنما الاختلاف يرجع إلى تفضيلات كل شخص في استخدام تلك الوظائف النفسية.

 

يُتبع...

من فضلك سجل دخولك أو قم بتسجيل حساب للإجابة على هذا السؤال

...