وظيفة الحدس الداخلي (Ni)

وظيفة الحدس الداخلي (Ni)

وظيفة الحدس الداخلي (Ni) من اغرب الوظائف النفسية لأنها من الخارج تبدو خارقة للعادة بسبب قدرتها على تقديم تنبؤات وتكهنات دون دليل واضح وبدون استخدام التسلسل المنطقي. هذه الوظيفة تنتعش وتحيا على إيجاد الروابط بين الأفكار المتباعدة وإظهار الأنماط الغير مرئية و تسليط الضوء عليها من زوايا غير متوقعة. اللغة الرسمية التي تتحدثها هذه الوظيفة هي “الصور” التي ترسمها  على شاشة العرض داخل عقل صاحبها. وظيفة الحدس الداخلي يرمز لها بحرفين (Ni). الحرف الأول (N)  يرمز لكلمة  (iNtuition)  اي الحدس و الحرف الثاني (i) يرمز لكلمة introverted  اي داخلي او إنطوائي. تقع هذه الوظيفة في المرتبة الأولى عند شخصية العقل المدبر INTJ والمستشار  INFJ  أما  عند قائد الأركان ENTJ والمدرس ENFJ فتقع في المرتبة الثانية.

من أين تستقى وظيفة الحدس الداخلي معطياتها؟

الانطباعات التي يُقدمها الحدس الداخلي ويُظن بأنها وحي من الله تأتي عبر وظيفة الـ Se  (الحواس الخارجية extroverted Sensing) وهي الوظيفة الرابعة لدى شخصية العقل المدبر وشخصية المستشار. تقوم وظيفة الحواس الخارجية Se بجمع الحقائق والمعلومات من العالم الخارجي وترسلها باستمرار للحدس الذي يقبع في سكون من أجل استقبال هذه المعطيات بهدوء يبدو معه كما لو كان كسولًا . مع انه في الحقيقة يعمل بلا كلل في تركيب قطع الأحجية قطعة قطعة حتى تكتمل الصورة. وعندما تتضح معالم الصورة تقفز الروابط والأنماط والعلاقات من بين ثنايا الصورة إلى الوعي وكأنها نبتت من العدم. وهذا هو ما يجعل وظيفة الحدس وظيفة مناسبة “للمسح” السريع على مساحة واسعة من المعطيات من أجل “إستقراء” الوضع العام وتقديم “مرئيات” و “إنطباعات”.

ماهي الصعوبة التي تواجهها  وظيفة الحدس الداخلي (Ni)؟

 رغم الخاصية المدهشة التي تمتلكها وظيفة الحدس الداخلي إلا إن هذه الميزة تحمل بين ثناياها مشكلة كبيرة يشتكي منها العديد من اصحاب شخصية العقل المدبر (وشخصية المستشار). هذه المشكلة هي عدم القدرة على شرح الصورة التي تراها وظيفة الحدس الداخلي بوضوح لمن حولها بسهولة. وما يزيد الطين بله؛ هو عدم قدرة الشخص على شرح العلاقة المنطقية للكيفية التي توصل بها لهذه التنبؤات فيترك من حوله في حالة شك مما يقول.

صعوبة الشرح تعود لعدة أسباب:

  • في المراحل الأولى للحدس الداخلي (Ni) يقوم بتكوين الصورة الخام الأولية ولا يُركز في التفاصيل بل يُركز على الخطوط العامة. وعندما يُطلع الاخرين على هذه الصورة في هذه المرحلة المبكرة وهي لم تجهز بعد للمشاركة مع الغير؛ قد تهاجمها بعض الشخصيات التي تحب التفاصيل وتقطع الحدس الداخلي إربًا  بسبب فشله في تلبية حاجتها للتفاصيل الدقيقة (انظر قسم الشخصيات التي تتحسس من وظيفة الحدس الداخلي بالأسفل).
  • السبب الثاني يكون في المراحل الاخيرة من عملية تكوين الصورة حيث يحدث العكس.  فبعد أن كبرت الصورة ونضجت، قد تحمل كمية غزيرة من المعلومات أكبر من قدرة الإنسان على التواصل. فلا يتمكن اللسان (عبر الكلام) او اليد (عبر الكتابة) في نقل هذه التفاصيل بسرعة تتناسب مع سرعة الحدس الداخلي وتصبح عملية الشرح اشبه ما تكون بمحاولة استخدام القشة للشرب من انبوب الإطفاء. ولذلك تحدث عملية “القفز” بين الأفكار  -في محاولة يائسة للإختصار- فيبدو لمن يسمعه او يقرأ له مشتتًا غير واضح وهو ما قد يسبب الإحباط (ويعود ليلوم نفسه لماذا شارك برأيه أصلًا  مما ينعكس سلبا عليه فتزيد حاجته للإنطواء مجددًا لحماية نفسه من التعرض لهذه المواقف).

من أجل تقريب هذه الفكرة المهمه حاولت شرحها عبر الصورة التوضيحية بالأسفل.  لنقل ان هناك عشر معلومات ضرورية لكي يفهم الشخص المقابل العلاقة بين فكرة (أ) وبين فكرة (ب). هذه الخطوات العشر  بالنسبة للحدس الداخلي واضحة ولكن وضوحها Fuzzy هلامي ولا يقاس بالمسطرة والقلم (لاحظ ان الحدس الداخلي  في المستطيل الثالث بالأسفل لم ينتبه للدوائر الحمراء ومع ذلك ظلت الخطوط العامة صحيحة رغم فقدان بعض التفاصيل). وما أن يبدأ الحدس الداخلي في محاولة شرح  (في المستطيل الرابع) حتى يكتشف ان اللسان او اليد لا يستطيعان نقل ما يقدمه لهما بسرعة مناسبة ، فلا يزال اللسان يشرح الخطوة رقم واحد بينما الحدس الداخلي قد انتقل للخطوة الرابعة ولذلك وفجأة يضطر اللسان (خلال الكلام) او اليد (خلال الكتابة) للإنتقال بدون بشكل يبدو إعتباطيًا للخطوة الرابعة .. أين اختفت الخطوة رقم اثنين و ثلاثة؟ ضاعتا بسبب عملية “القفز” وضاع معهما من كان يستمع أو يقرأ له.

Ni_process

الطبيعة البصرية للحدس الداخلي (Ni)

البشر بشكل عام مخلوقات بصرية تستقي معلوماتها من العالم المحيط وتتفاعل معه بناء على معطيات حاسة البصر بشكل أساسي. ولكن هذه الحقيقة مضاعفة بالنسبة للشخصيات التي تمتلك وظيفة الحدس الداخلي كوظيفة أولى (العقل المدبر والمستشار). وعلى عكس الوسائل الأخرى للتواصل كاللغة المكتوبة،  تستطيع الصور تخزين كمية معلومات أكبر بكثير من النصوص (ألا يقال بأن الصورة خير من ألف كلمة!؟). هذا يفسر لماذا يُقدر اصحاب وظيفة الحدس الداخلي الفنون الجميلة بشكل عام ويتذوقون الجماليات واللوحات السيرياليه وغيرها لأنها تخاطب حدسهم مباشرة.

الأمر الأهم أن الصور تستطيع جمع “الأضداد” في نفس المكان دون قيود بينما الكلمات محددة  بقوانين تُقيد حريتها وتجعلها تمشي في مسار “خطي” شبه مستقيم بينما الصور تساعد على التفكير “اللاخطي” والذي يقدم حلولاً ابتكارية غير متوقعة.   هذا أيضًا يفسر كيف يستطيع الحدس الداخلي بناء هياكل نظرية Theoretical Frameworks  من مكونات تبدو متضادة (مثل نظرية كارل يونغ – اللي يُجمع الكثيرون على أن شخصيته INTJ- لاحظ أنه جمع في نظريته بين الاضداد: المنطق والمشاعر  وبين الحواس والحدس في نظام مُوحد وأنيق. لا أتخيل أنه بالإمكان الوصول لمثل هذه النتائج لو أنه أتبع طرق التفكير الخطية).

بعض الشخصيات لا تستقبل الحدس الداخلي ولا تستوعبه

 الشخصيات الحسية (Si/Se) عادة ما تحتاج لأشياء محسوسة إما في اليد (مثل شخصية المروج ESTP والمؤدي ESFP) أو من تجارب الماضي (مثل شخصية المشرف ESTJ والمفتش ISTJ) لكي تفهم  العالم من حولها. ولأن الحدس الداخلي Ni  غير ملموس لذلك تجد الشخصيات الحسية صعوبة في التواصل معه وتقدير الأفكار التي يقدمها. هناك حاجز كبير يحتاج مجهود وصبر من اجل التواصل بلغة مشتركة يفهمها الطرفان.

لذلك لا تستغرب ردة فعل بعض الشخصيات التي لا تحب الاستماع لحدسك الداخلي وقد تعارضه وترفضه بقوة خصوصًا في في حالته (الخام). الأمر لا يعدو على اختلاف وسيلة التواصل بينكما. ربما يتطلب الامر ان تحول فكرتك وتشرحها بطريقة تناسب المستقبلات في رأس الطرف الآخر. على سبيل المثال، لو كان الطرف المقابل (شخصية المروج ESTP والمؤدي ESFP) فقد يتطلب الامر تحويل فكرة الحدس الداخلي إلى نشاط بدني او شكل مجسم يستطيع لمسه بيديه حتى يفهم فكرتك ويؤمن بها. أما لو كان من أصحاب شخصية المشرف ESTJ أو المفتش ISTJ ، فقد تحتاج لأن تخبره بقصص مماثلة من الماضي او تجارب حدثت لأشخاص يُقدرهم ويحترمهم حتى يستقبل فكرتك براحة وطمأنينه لأنها مُجربة ومعروفة مُسبقا ولا تسبب لعالمه الداخلي إرتباكا لا يفهمه بسبب جِدة وحداثة الفكرة.

كيف يمكن تحسين قدرة الحدس الداخلي على شرح أفكاره؟

  • استخدام الصور ورسمها فهذه لغة الحدس الداخلي (Ni) وعبرها سيرى الآخرون ما تراه.
  • استخدام خرائط العقل Mind Map فهي إمتداد طبيعي لقدرة الحدس الداخلي على التوسع وهي من أفضل الوسائل لتوضيح معالم الحدس الداخلي (كأنها أداة نحت تُجسّد الشكل الهلامي وتحوله إلى تمثال واضح المعالم والتفاصيل).  لقد أحدث تعلمي لـ “خرائط العقل” نقلة نوعية في طريقة تفكيري وساعدني على تنظيم حدسي الداخلي بشكل أدهشني كثيرًا بالنظر لكونها طريقة سهلة – وربما بدائية – لا تحتاج إلا لقلم وورقة فقط.  ولكن إن اردت استخدامها بكثافة وإحترافية فيوجد الكثير من البرامج المناسبة. لم أندم على شيء مثل ندمي على عدم تعلمي لخرائط العقل في مرحلة أبكر من حياتي. إفعل لنفسك معروفا وتعلمها في أقرب فرصة.
  • انقل فكرتك من الحدس الداخلي إلى وظيفة (المنطق الخارجي Te) إما عبر نقاش الاخرين أو بشرحها في هيئة محاضرة (استخدام اللسان) أو عبر كتابة الافكار (استخدام اليد). أعد شرحك مرارًا وتكرارًا في أوقات مختلفة لكي تُجبر الحدس الداخلي على تحديد ملامح الفكرة وستظهر التفاصيل شيئا فشيئا حتى تتخذ شكلا مناسبا يساعدك على شرحها دون خوف من ضياع التفاصيل او الظهور بمظهر مُشتت.

عيوب الحدس الداخلي

كما أن للحدس الداخلي محاسن فله عيوب ايضًا – ككل الوظائف النفسية الأخرى – ومن تجربتي الخاصة وجدت أن أهم العيوب هي:

  • الإستعجال
  • ضياع التفاصيل
  • الذاكرة السيئة
  • النمذجة
  • غباء الذكي
أحيانا يتحمس الحدس الداخلي في وضع روابط خاطئة وملء الفراغات بتوقعات غير صحيحة لأنه لم يبذل الجهد في التأكد منها.  يحدث هذا في الحالات التي لا يكون هناك قيود على الحدس الداخلي مما يشجعه  على خلق روابط دون الحاجة للتروي والتثبت. مثلًا ، مع شخص قريب كأخ أو أخت أصغر منك سنًا  – لأنهم عادة لا يستطيعون محاسبتك عندما تخطىء- في هذه الحالات قد يقوم الحدس بإستنباط روابط تنتهي للوصول لنتيجة خاطئة كإتهامهم بتهمة ما بناء على معطيات قليلة ثم يتبين خطأه بسبب الإستعجال.
رغم سرعة الحدس الداخلي في فهم الروابط بين الافكار المتباعدة إلا أنه يعاني في ملء الفراغات الصغيرة.  على سبيل المثال أحيانا أعاني في كتابة المقالات في المدونة رغم أني أعرف ماهية الموضوع والخطوط العامه ولكن عملية إستخلاص التفاصيل الصغيرة تُصبح عملية مُضنية خصوصًا عند غياب المُحفز الخارجي. هذا التحفيز قد يأتي عبر النقاش مع الآخرين (اي بعد تفعيل وظيفة التفكير الخارجي Te)  وأحيانا  يحتاج لإلهام نفسي داخلي لا يأتي الا فيما ندر (الإلهام الداخلي بالنسبة لي عبارة عن جو غائم ممطر، كوب قهوة ، فيروز تصدح في الخلفية. كل هذه العوامل مجتمعة قد توقد شعلة الإلهام الصغيرة بداخلي).
 كلما كبرت زاد ايماني بحدسي واستخدامي له. المشكلة أن هذا حولني دون ان اشعر لشخص يبحث عن الروابط ويهمل التفاصيل وأتناساها فتبدو ذاكرتي مثل شبكة صيد لا تمسك الماء. الآن بدأت اعتقد أنها تعمل بشكل جيد؛ الأمر فقط أنني لا اعطي التفاصيل وقتا كافيا. اذا كنت تعاني من هذه المشكلة، فأحد الحلول يكمن ببساطه في تكرار الاشياء المهمه بشكل واعي. مثلا: ناقشها بصوت مرتفع فسماعك لصوتك يجعل الفكرة تنتقل لتدور دورة كاملة بداية من أعماق عقلك مرورًا بلسانك لترجع مرة أخرى عبر أُذنك لداخل عقلك مجددًا. تكرار هذه الدورة يشبه المشي في طريق غير ممهد لمرات عديدة حتى تتضح معالمه. طبعًا الجانب السلبي أن من يراك بالصدفه وأنت تشرح لنفسك سيعتقد أنك قد فقدت عقلك. إذا لم يهمك الأمر فالطريقة تستحق التجربة.
  الوقوع في فخ حب الخيال اكثر من الواقع (او النمذجة idealization). هذا الامر يستحق موضوعا خاصا به لأهميته وشدة تأثيره ولكنني سأذكره بإختصار هنا.

اللغة والعملة التي يتعامل بها الحدس الداخلي هي عملة الصور لذلك فهو يخلق ويصنع صورًا في غاية الجمال (نموذجية) لما يجب أن يبدو عليه العالم من حوله. لو كانت هذه الصور النموذجية لمشاريع او أنظمه يصنعها ويقدمها للعالم فقد لا يرضى عنها  مهما بذل من جهد لأنها لم ولن تبدو على أرض الواقع كما كان يتخيلها في عقله. هذا قد يدفعه لأن يبذل المزيد من الجهد محاولًا تحسينها مجددًا و حتى تظهر كما تخيلها ولذلك يتأخر في تسليم المشاريع وربما قد يتوقف عن المحاولة تمامًا بسبب الإحباط.

الجانب السيء الآخر هو ان هذه الصور قد تتعلق بما يجب أن يكون عليه الحبيب او الحبيبه (خصوصا في مرحلة المراهقة) وقد يقع في عشق الصورة في عقله ويبحث عنها في الواقع لسنوات بلا جدوى. فالصورة في عقله أجمل من أن يصلها أو يحققها مخلوق بشري (هل هذا يفسر حب الـ INTJ لأفلام الآنمي؟!). الجدير بالذكر أنه مع تقدم العمر ونمو التفكير المنطقي الخارجي (Te) سيتم ترويض هذا الخيال الجامح ولكن رواسب الصورة النموذجية ستكون عميقه في كوامن ذاته  وقد تؤدي لخيبة أمل تنفث  تأثيرها السمي ببطء لسنوات طويلة.

عادة لا يستطيع الحدس الداخلي Ni التعامل بسرعة مناسبة مع المواقف (الحسية) التي تحدث لأول مره. مثلًا ، قد يواجه موقفا اجتماعيا حرجًا لاول مره فيتردد ويتلعثم في الرد لانه يحتاج لوقت حتى يصنع الروابط ويحللها ثم يختار افضلها ولكن بعد ان تطير الطير بأرزاقها وتفوت المناسبة!

السبب  يعود لأن وظيفة الحدس الداخلي هي وظيفة انطوائية في وضع الإستقبال وليس الإرسال ولا تعمل بشكل جيد عندما يتطلب الامر سرعة التصرف. وهذا احيانا يسبب مواقف طريفة -مع أنها محرجة في وقتها- حيث ابدوا في غاية البلاهه ويستغرب مني المقربون كيف تصرفت بهذا الغباء. لكن عزائي الوحيد انني اتعلم من الدرس الأول كل شيء يمكن تعلمه لأنني سأظل أحلل الأمر بشكل عميق حتى لا يحدث لي مرة أخرى. وعندما يحصل الموقف في المرة الثانية سأكون جاهزا مع أسلحة متنوعة ومستعدا للإلتحام مع العدو في الخطوط الأمامية بصدر مفتوح للرماح إلخ إلخ. 

التعليقات مغلقة