مكونات الشخصية: (٣) حزمة الوظائف النفسية الاربعة

مكونات الشخصية: (٣) حزمة الوظائف النفسية الاربعة

كل انسان يرى العالم من حوله بطريقة مختلفة حسب تربيته وتجاربه في الحياة والمجتمع الذي يعيش فيه. ولكن هناك أسباب أخرى تجعل الإنسان يفسر العالم من حوله بطريقة مختلفة  وعلى وجه الخصوص طبيعة الوظائف النفسية الكامنة فيه.نظرية كارل يونغ ذكرت هذه الوظائف النفسية (انظر المقال السابق) ولكنها أحيانا صعبة الفهم ويسرع نسيانها.
خلال رحلة البحث عن شخصية العقل المدبر وجدت أن هناك أسلوب جميل لعرض هذه الوظائف وترتيبها من حيث قوة تأثيرها في كل شخصية من الشخصيات الست عشرة. هذا العرض او الطريقة تسمى بحزمة الوظائف النفسية (Functional Stack) وفيما يلي شرح مبسط لها.

تخيل معي ان الانسان مثل الموشور الزجاجي الذي يستقبل الضوء الأبيض ويحلله لألوان الطيف. كل شخصية من الشخصيات الست عشر ترى العالم من حولها وتستقبل نفس الضوء الأبيض (كما في الصورة بالأسفل) ولكن كل منها تمتلك موشور زجاجي ذا تركيب مختلف يجعلها تحلل هذا الضوء الأبيض لألوان مختلفة عما يراه غيرها.في الحياة الواقعية قد يكون هذا الضوء الأبيض عبارة عن  اي حدث يومي يحصل في الحياة العادية الكل يستقبل نفس الضوء الأبيض إلا ان كل شخصية تحلل الضوء (او الموقف) بطريقة مختلفة لتخرج بألوان مغايرة حسب وظائفها النفسية وترتيبها وهذا هو ما يجعل شخصية ترى الحياة وتتفاعل معها بطريقة قد لا يفهمها إلا من يملك نفس تركيبة الموشور الزجاجي او تركيبة مقاربه.

وفي المقابل قد يحدث تنافر بين بعض الشخصيات لان  كلا منها يرى العالم بطريقة مختلفة تماما ( مثلا الشخصية المنطقية لا تستطيع التعامل بسهوله مع الشخصية التي تعتمد على المشاعر والعكس صحيح).  هذا الإختلاف بين البشر طبيعي جدا وهو احد اسباب تنوع الحياة وجمالها.

لا يوجد هنا ما يدعوك للظن ان هناك شخصيات افضل من غيرها بشكل مطلق. كل منها لديه نقاط قوة ونقاط ضعف وبلا اي استثناء.نظرية (كارل يونغ) عن الوظائف النفسية تقدم لك الادوات اللازمة لتحليل شخصيتك و وكيف تنظر للحياة مما يساعدك على فهم دوافعك والأسباب التي تجعلك تتصرف بطريقة معينة. هذا بحد ذاته شيء مهم جدا (اي التعرف على الذات) ولكن الميزة الأخرى انها يمكنك ايضا فهم الدوافع النفسية للآخرين وكيف يرون العالم من جهة نظرهم. لا أحد هنا افضل من احد، الكل يرى نفس الشيئ ولكن يختلف في تفسيره. إيمانك وفهمك لهذه الحقيقة يجعلك اكثر تسامحا وتفهما لوجهات نظر الآخرين ويعود بالفائدة العظيمة في تحسين مهاراة الاتصال لديك مع مختلف الناس عبر تفادي مناطق الإختلاف الصدامي بل وربما كسب ودهم و القدرة على إقناعهم.

 

شخصية العقل المدبر تمتلك – مثلها مثل غيرها حسب نظرية كارل يونغ – اربع وظائف نفسية اساسية وعن طريقها يرى العالم ويتفاعل معه.  ولكن ترتيب هذه الوظائف وقوتها في شخصية العقل المدبر هي كالتالي:

الوظيفة السائدة والمسيطرة هي الحدس الداخلي (Ni)
الوظيفة المساندة هي التفكير الخارجي (Te)
الوظيفة الثالثة هي المشاعر الداخلية (Fi)
الوظيقة الدنيا أو الرابعة هي الحواس الخارجية (Se)

 

الوظيفة السائدة  (أي الأعلى في الترتيب) هي الوظيفة الغالبة التي يستخدمها العقل المدبر معظم الوقت لرؤية العالم  من حوله هي الحدس الداخلي (Ni) وهي وظيفة داخلية (او انطوائية)  معنية بالصورة والانماط اكثر من الكلمات والاشياء الملموسة . هذه الوظيفة تعمل بشكل مستمر ومتواصل عبر العقل اللاوعي ليلاً ونهاراً.

لأن وظيفة الحدس (Ni) داخلية لذلك يمكن وصف شخصية العقل المدبر بالإنطوائية لأنه يفضل الهدوء والصمت على الحديث والتواصل الأجتماعي المستمر. تعتبر الوظيفة الأولى بشكل عام هي الوظيفة التي تمده بالطاقة ولذلك بعد ان تستنزف الاجتماعات والحفلات طاقته يفضل العقل المدبر الرجوع للكهف والانزواء على ذاته حتى “يشحن” طاقته من جديد.

تهدف وظيفة الحدس الداخلي (Ni) لجمع المعلومات من شتى المصادر لكى تخلق وتبني نظاما متكاملا لمفهوم معين او حلا جديدا لمشكلة عويصة. وعندما تصل لهدفها المنشود غالبا ما تكون في لحظة غير متوقعه تماما وتصيب صاحبها بحالة حبور مفاجىء يتمثل في الف شمعة اضائت المكان في لحظة واحده . احيانا تسمى بلحظة الأها (وجدتها وجدتها كما قال ارخميديس)  واحيانا تسمى لحظات الكشف والتجلي. وهي الميزة الأكثر قوة لشخصية العقل المدبر (وكذلك شخصية المستشار).

بعد أن تتشكل الصورة وتتكامل في عقل شخصية العالم يأتي دور الوظيفة الثانية وهي وظيفة التفكير الخارجي  (Te) وهي وظيفة منطقية منظمة مرتبة تأخذ المعطيات من الحدس الداخي وتحوله لخطوات عملية ملموسة.  التفكير الخارجي  (Te) هي وظيفة حيادية عادلة تقدم الحقائق على المشاعر و تحتاج بل تعتمد على الدليل الواضح  ولا تلفت للآراء الشخصية الغير مدعومه بدليل او النابعة عن احاسيس ومشاعر مبهمه.يستخدم العقل المدبر وظيفة التفكير الخارجي (Te)  لكل يتواصل مع العالم من حوله (لأنها وظيفة خارجية تتواصل مع العالم المحيط) وهي النافذة التي يتعرف الناس بها على دواخله نفسه ومكنوناته ولهذا يرون فيه شخصا حياديا باردا ينظر للحقائق ولا يعير المشاعر او العلاقات اهمية كبيرة مما يوحي لهم بأنه اشبه ما يكون بالرجل الألي. لكن في المقابل هذه الوظيفة هي احد اهم مزايا شخصية العقل المدبر التي تمكنه من وضع استراتيجات وخطط كبرى محبوكة.

عندما تعمل وظيفة الحدس الداخلي (Ni) مع وظيفة التفكير الخارجي (Te)  يصبح لدينا شخصية تحب صنع وبناء الأنظمة فالحدس الداخلي يصنع الأنماط والحلول على هيئة صور والتفكير الخارجية يحولها لخطط وخطوات عملية.الوظيفة الثالثة علي المشاعر الداخلية (Fi)  وهي وظيفة غير متطورة لدى شخصية العقل المدبر خلال مراحل الحياة الأولى وحتى سن الثلاثين وهي معنية بالمشاعر والقيم الروحانية والإجتماعية وهذا قد ر يفسر البرود والمظهر القاسي لشخصية العقل المدبر  لانها مدفونة تحت وظيفتين اخريين (الحدس الداخلي والتفكير الخارجي) وبالتالي لا تظهر الا في حالات نادرة مع اصدقاء قريبين جدا (اكثر شخصية تستطيع استخراجها من العقل المبدر هي شخصية البطل).

الوظيفة الرابعة وهي الأقل تطورا لدى شخصية العقل المدبر هي الحواس الخارجية (Se)  والتي تهتم بالعالم المحسوس من حولنا (الأشياء والاصوات والملمس والطعم والراوئح) والتجارب الجديدة وغالبا ما تبدأ في الظهور في منتصف العمر او تحت الضغوط الشديدة لأنها تشكل مهربا للشخصية العقل المدبر لكي ينفس عن الضغوط التي لا يستطيع مواجهتها بوظائف الأولى و الثانية.

اكاد اجزم انني لم ابدأ في الاهتمام بالشخصيات الست عشر الا بعد ان فهمت هذه الوظائف النفسية وطريقة ترتيبها. قبل ذلك كان فهمي للشخصيات الست عشر مشتتا وغير واضح لان معظم الكتب والمواقع تتحدث عن الشخصيات كما لو كانت وصفة طبخ يجب ان تحفظ كما هي بدل من تحلل مكونات الشخصية.اتمنى ان يكون عرض حزمة الوظائف النفسية قد اقنعك بأنها اسلوب سهل وبسيط لفهم الشخصيات الست عشر وكيف تتطور مع العمر وكيف تتفاعل فيما بينها.  خلال المقالات القادمة سترى الكثير من الأمثلة والمقارنات وهذا قد يساعدك على فهمها اكثر واكثر لأن  هذا المقال لم يستعرض سوى السطح الخارجي لهذه النظرية الجميلة .

في المقال القادم سأتحدث عن الفرق بين شخصية العقل المدبر وقائد الأركان (ENTJ) والمفكر (INTP) عبر تشريح حزمة الوظائف النفسية لكل من هذه الشخصيات.

التعليقات مغلقة