In Treatment | تحت العلاج

In Treatment | تحت العلاج

أخبرتني فتاة من أصلٍ ألماني كانت تدرس لكي تصبح محللة نفسية بأنه لكي يُسمح لها بممارسة التحليل النفسي؛ سيتوجب عليها الخضوع لتحليل نفسي عند شخص يعتبر”علّامة” في هذا المجال ولمدة تقارب السنتين! فقلت مازحاً: هل تخشين من أن ينبش في خباياك وينكأ جروح الماضي؟ فقالت: “هذا أمرٌ مفروغ منه! ستكون هذه التجربة من أصعب التجارب في حياتي! سيساعدني هذا المحلل النفسي على إكتشاف الكثير من تلك الخبايا التي لا أعلم بوجودها حتى أراها!  لقد ترعرت في أسرة جافة ومُتسلطه في ألمانيا، وهربت منها للولايات المتحدة الأمريكية بحثاً عن حياة مختلفة، ثم  إعتنقت المذهب اللوثري حتى أخاطب الله بلا قسيس أو واسطة. وبعدها هاجرت لجنوب أفريقيا، وتزوجت من مسلمٍ له طفلٌ من زواجٍ سابق ومريض باللوكيميا للأسف! فحتماً سيكون هناك كمية ضخمة من المشاعر المكبوتة هنا أوهناك،  قد تكون نحو الدين أوالاسرة أو الحياة بأكملها. يجب أن أواجه  كل أمتعتي العاطفية الثقيلة (emotional baggage) التي أحملها من الماضي.  سأفتحها واحداً تلو الآخر لكي أتعلم كيف أتعامل وأتعايش معها في سلام قبل أن أبدأ في تقديم الاستشارات النفسية للغير. إذا لم أفعل ذلك،  سأقوم بإسقاط مشاكلي النفسية على الآخرين عند سماعي لمعاناتهم بلا وعي مني وهذا أسوأ كابوس قد يحصل لأي محللٍ نفسي.  لأنه حينها؛ سيكون ضرر المشورة التي أُقدمها أكبر من نفعها”.

emotional-baggage-claim

كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لي. فمفهوم الذهاب لمحلل نفسي أمرٌ غير مألوف في بلداننا (في الشرق الأوسط والدول الآسيوية بشكل عام) ولم يكن لدي معلومات كافية عن هذه المهنة ولا عن أهميتها. فسألتها متابعاً: هل يمكن لهذا التحليل النفسي لمشاكل الآخرين أن يصيبك  بعقدٍ نفسية خصوصاً عندما تواجهين الكثير من المرضى ذوي ثقافات ومبادئ وحتى أديان مختلفة قد تتناقض مع ما تؤمنين به!؟ فقالت: “بالتأكيد! إذا لم أتعاهد روحي وأفكاري مع محلل نفسي آخر فسينتهي بي المطاف حطاماً!”. تفهمت وجهة نظرها ولكن لم أنتبه لكلمة “الحطام” جيداً.

مرت فترة بعدها ونسيت الموضوع تماما.  وبالصدفة؛ شاهدت مسلسلاً تلفزيونياً إسمه “تحت العلاج” (In Treatment)  يحكي قصة “محلل نفسي” وكيف يتعامل مع مرضاه وفيهم البسيط والمعقد .. اللطيف واللئيم .. الظالم والمظلوم .. المراهق و العجوز.. ولكلٍ  واحد مفتاح خاص لدواخل روحه وأسلوب لا يناسب غيره.   كان للمحلل النفسي قصة مع كل واحد منهم تحكي رحلة البحث عن هذا المفتاح.  كل هذا القصص تتميز بطول صبر المُعالج حتى يجد  المفتاح  لقلب كل المريض  من أجل أن يشجعه   للسير خطوة بخطوة  نحو أعماق نفسه ويعلمه  كيف يواجه  تلك الرواسب لكي يتغلب على مخاوفه.

فوق كل ذلك، كان المحلل النفسي  يعيش ظروفاً صعبة وتحولات في حياته الشخصية تجعله هو يحتاج  لمن يساعده في تحليل مشاكله! كان المسلسل مثيراً للغاية – خصوصا الجزء الأول منه – وسلط أضواء كثيرة على ثِقل الرواسب العاطفية  التي يحملها كل شخص من ماضيه. بيّن لي كيف أن هذه الرواسب عادةً ما تكون مستترةً تحت طبقات كثيرة من التبريرات والقصص والأحداث التي تتشابك كغابة كثيفة لتمنع الإنسان من التعامل معها (ربما لحمايته من الإكتئاب أو الحزن أو لكي تسمح له بالنمو وعدم التوقف كثيراً عند الماضي. ولكنها  لا تلبث و تتسلل بهدوء للحاضر وتؤثر بشكلٍ أو بآخر).

لحظات كثيرة من مسلسل  (In Treament)  جعلتني أتوقف لأفكر وأنظر بشكل مغاير للكيفية التي يتواصل بها البشر وكيف أن كل واحدٍ منا يحمل إرثاً من ماضيه يجعله مختلفاَ عن غيره ويحدد ملامح شخصيته الحالية والمستقبلية. كان أهم درس تعلمته من مشاهدة (In Treatment) أن رحلة التعرف على الذات هي رحلة تستغرق العمر كله. ولكن لا بأس؛  فهي رحلة تستحق هذا الجهد وعادة ما تحقق السلام والرضى الداخلي والطمأنينة عندما يتخلص الإنسان من هذه الرواسب العاطفية أولاً بأول بدلاً من أن تتراكم على مرِ السنين حتى تُثقل كاهليه وتُكبل حركته تماماً.

بالرغم أنني قد شاهدت هذا المسلسل سابقاً  – وعادة لا أشاهد اي برنامج تلفزيوني أكثر من مرة واحد – إلا أن الحماس أصابني فجأة  خلال كتابتي لهذة المقالة لكي أشاهده مرة أخرى!  التحميل يجري الآن على قدمٍ وساق 😎

تنويه للإحاطه: بعض الحلقات  قد تحوي مقاطع لا تتناسب مع الذوق العام.  

التعليقات مغلقة