بين التفكيك والبناء: شخصية المفكر INTP وشخصية العقل المدبر INTJ

بين التفكيك والبناء: شخصية المفكر INTP وشخصية العقل المدبر INTJ



أحد أصدقائي من أصحاب شخصية المفكر INTP  قريبٌ  لنفسي خفيف على قلبي وله بصماته على أفكاري وبعض معتقداتي. رغم أننا نتشابه في الثلاثة أحرف الأولى حسب مؤشر مايرز- بريقز  (شخصيتي عقل مدبر INTJ) إلا أن هذا التشابه خادع تماماً. فنحن في الحقيقة نختلف في كل الوظائف النفسية الأربعة.

دعني أضرب مثالاً بسيطاً يوضح ماهية الإختلاف الجوهري بيننا. بالأمس كان كلانا  جائع جداً، فذهبنا إلى مطعم  steak  جديد لم نجربه من قبل وأتى النادل مبتسماً ليقدم لنا قوائم الطعام حتى نختار ما نريد. بدأت انا بالتصفح والنظر بسرعه عبر الصفحات دون أن أقرأ التفاصيل حتى وجدت صورة لوجبة تبدو شهية، حفظت إسم الوجبة، أغلقت القائمة ووضعتها على الطاولة ثم جلست أنتظر النادل ليأتي ويأخذ الطلب. هكذا بكل بساطة!  جلست أراقب صديقي المفكر وهو يقلب الصفحات ببطء ، يتفحص قائمة الطعام بروية ثم يعود مجدداً لصفحة سابقة ليقارن بينها وبين وجبة في صفحة أخرى وكأنه سيعيش للأبد. أخيراً رفع يده ليؤشر للنادل فحمدت الله على قرب الفرج. جاء النادل ليأخذ الطلبات وبادرني بالسؤال فأمليته طلبي بإختصار ويسر ودون تعقيد، أما صاحبي المفكر فبدأ  بما أحب أن أسميه (أسئلة المحقق الجائع):

المفكر: ” لو سمحت، هل الوجبة رقم ١٧ مكونه من لحم  البقرأم لحم الغنم”؟

النادل: ” لحم بقري  ياسيدي”

المفكر: ” من أي جزء؟”

النادل: “عفوا لم أفهم قصدك؟”

المفكر: ” أقصد هل اللحمه من الفخذ او الظهر مثلا؟”

النادل: “آه، من الظهر”

المفكر: “جميل! هل يمكن أن تخبرني عن طريقة الشواء، هل هو فعلا على فحم أم صاج؟”

النادل: “على الصاج ولكن ستعجبـك لأن .. “

المفكر مقاطعاً: ” أه .. لا أحب الصاج. الشواء على الفحم أجمل. ماذا عن وجبة رقم ٢٢؟ هل يستخدم فيها صوص الشواء؟”

يتململ النادل وهو يستجمع ما تبقى له من صبر وتستمر هذه المحادثة والنقاش لعدة دقائق وأنا مبهور بكمية التفاصيل التي يحتاجها المفكر لكي يتخذ قرار بسيطا كإختيار وجبة طعام. كنت معجبا من صبر النادل على كمية الأسئلة المتتابعة من أجل وجبه بسيطة ولكنه لا يعرف مدى معاناة شخصية المفكر في إتخاذ القرارات.  هذا راجع لكون شخصية المفكر تمتلك وظيفة الحدس الخارجي  (Ne) المسؤولة عن إنتاج كم هائل من الخيارات والإحتمالات والتي تستهلك جهدا كبيرا من أجل تمحيصها  قبل إتخاذ القرار والذي يستغرق وقتا طويلاً.  على النقيض من ذلك،  تملك شخصية العقل المدبر حدساً داخلياً (Ni) وهي وظيفة نفسية تهتم بالروابط و العلاقات بين الأفكار وبالكيف وليس الكم. أحيانا يمكن تشبيه  الطريقة التي يعمل بها الحدس الداخلي عند العقل المدبر بالقناص الذي يطلق رصاصه واحدة  ليصيب الهدف على بعد كيلومتر بينما الحدس الخارجي عند المفكر ( وحتى عند شخصية البطل ENFP)  أشبه ما يكون بندقية الشوزن أو الخرطوش الذي يطلق مئات من الطلقات الصغيرة على بعد عشرة أمتار. كلاهما يصيب الهدف ولكن بطريقة مختلفة تماما.

هذا ليس الفرق الوحيد بين شخصية العقل المدبر و شخصية المفكر، فهما يختلفان في كل وظيفة كما في الصورة التالية:

INTJ_vs_INTP

 الوظائف الأنفتاحية التي تبدو للخارج مختلفة. على سبيل المثال، شخصية العقل المدبر INTJ لديها وظيفة التفكير الخارجي (Te) فتبدو للناس كشخصية منطقية، فصيحة، ومحسوبة الخطوات. في المقابل شخصية المفكر INTP تملك وظيفة الحدس الخارجي (Ne)  ووظيفة المشاعر (Fe) فتجعلهم اكثر قدرة على الإندماج الإجتماعي.  غالبا ما يكون المفكر INTP  شخصية غير معروفة الملامح في بداية العلاقات الإجتماعية لأن وظيفة المشاعر Fe لديه في أسفل السلم وبالتالي لا يحاول فرض مشاعره أو آراءه على الغير. فقط عندما يكون مرتاحا للمحيط الإجتماعي من أصدقاء وزملاء عندها سيبدي اراءه علي هيئة أسئلة مفتوحة النهايات وخيارات متعددة لا حصر لها ( التي تنتجها له وظيفة الحدس الخارجي Ne).

كيف يتعامل المفكر INTP والعقل المدبر مع اي تحدي عقلي؟

INTP_mental_apporach

INTJ_mental_apporach

هذا الإختلاف في الطريقة التي يتعاطى بها كل من المفكر والعقل والمدبر مع التحديات الجديدة لها عدة تأثيرات كبيرة على طريقتهم في العمل والحياة.  من أهم هذه التأثيرات هي أن المفكر يحب (التفكيك) أكثر من (التركيب). عند وجود اي مشكلة يبدأ المفكر بتفكيكها لعشرات ومئات القطع ويتفحص كل واحدة منها ويتسائل كيف تعمل وكيف يمكن تحسينها. قد يقضي فترات طويلة من أجل أن يصل لأفضل الأجزاء وعشرت الإقتراحات من اجل ان تعمل بشكل أفضل ولكن لا يوجد لديه رغبة عارمه في تحويلها إلى واقع. متعته هي متعة فكرية بحتة  تتمثل في تفكيك وتحسين الأشياء ذهنيا أكثر من رغبته في تحويلها لخطوات عملية. ولهذا قد يبدو لمن حوله بأنه شخص لا يريد أن يعمل أو كسول أو غير منجز وهو في الحقيقة غير ذلك تماما . فعطاءه وإنتاجه فكري بحت ولذلك قد لا يناسب الوظائف الإدارية التي تشمل إدارة الآخرين وتحتاج لقيادة صارمه وتنتهي بمنتج واضح. قد يناسبه وظائف فكرية ككاتب، محلل أو إستشاري.

في المقابل، لا يهتم العقل المدبر كثير للتفاصيل ولا يتهم ان يحسن من أداء “كل” قطعه على حده،. كل ما يهمه هو كيف يمكن أن يتحسن أداء النظام بأكمله وليس أجزاء منه ولهذا قد يركز على الخطوط العامة للنظام ويبدأ في التعرف على “أهم” الأولويات ليبدأ بها. فبمجرد أن يحصل على فكرة عامة  لأهم المكونات والأجزاء؛ يضعها في خطة إستراتيجية ويبدأ العمل. ولذلك في الحياة الواقعية يحب ان يعمل كعالم  أو باحث أو مهندس من اجل حل مشاكل عويصة أو بناء أنظمة معقدة (أنظر مثلا شخصية أيلون ماسك والأنظمة المعقدة التي يبنيها).

إن قدرة المفكر على تفكيك اي مشكلة لأجزاء وعلى إقتراح عشرات الحلول تجعلهم من أفضل كتاب الخيال العلمي.  هذه الميزة الجميلة تُمكنهم  من  البدء من نقطه بسيطة ثم خلق الفرص والاحتمالات لتتشعب وتتعقد لتخلق عالما قصصياً غنياً بالتفاصيل التي تستثير الخيال بشكل مفرط. أحد هؤلاء الكتاب هو (ستيفن كينغ) وهو من أشهر و أغزر المؤلفين إنتاجا في العالم. ولكن هذه الميزة الرائعة لا تخلو أيضاً من عيوب! فشخصية المفكر أيضا من أسوأ الكُتاب حينما يتعلق الأمر بنهاية القصة – بشهادة صديقي المفكر نفسه! – فمعظم نهايات قصصهم تأتي مبتورة ولا تناسب غزارة التفاصيل و حبكتها. هذا مرده لأن عقولهم  تخلق احتمالات أكثر من قدرتهم على إغلاقها. عندما يصل المفكر لنهاية القصة يُقدم له الحدس الخارجي Ne عشرات النهايات الممكنة  التي يصعب  معرفة أيها أكثر دراميه ولهذا قد يسارع ويختار “أي” نهاية  فيصاب القراء بخيبة !

رغم هذا التضاد الا أن فريق العمل المكون من INTJ  و INTP عادة ما يكون فريقاً لا يُقهر!

INTJ_INTP_mental_dynamic

والسبب يكمن في أن كلاهما يكمل الآخر ويقدم للطاولة شيئاً مميزاً. عندما تجتمع شخصية المفكر INTP  و العقل المدبر INTJ لحل مشكلة، يبدأ المفكر بتقديم العديد من الخيارات وزوايا مختلفة للنظر للمشكلة  والتي قد يغفل عنها العقل المدبر. في المقابل  لا يستطيع المفكر ترتيب الأفكار بشكل إستراتيجي وهنا يأتي دور العقل المدبر فيمحص كل خيار من هذه الخيارات عبر وظيفة التفكير الخارجي Te الحيادية و يساعده الحدس الداخلي Ni  لمعرفة أيها أكثر أهميه في المستقبل البعيد.

هذا التكامل يجعل من هذا الفريق غاية في الكفاءة والديناميكية.  أحدهما يفكك المشكلة لألف قطعه والآخر يعيد تركيب المئة قطعة الأهم ويرمي بالباقي!

 

 

التعليقات مغلقة