وظيفة التفكير الخارجي (Te)

وظيفة التفكير الخارجي (Te)

الجميع يفكر.

كل شخصية من الشخصيات الـ ١٦ تفكر. وعندما نتحدث عن وظيفة التفكير في سياق الوظائف النفسية فنحن لا نتحدث عن درجة الذكاء ولكن نتحدث عن الطريقة التي تتخذ بها الشخصية قراراتها.  وظيفة التفكير الخارجي (Te) تسعى بدأب لتحويل الفوضى إلى نظام.  هي وظيفة فعّالة تلاحظ العالم من حولها ثم تبني قراراتها على الدليل لا على الرأي الشخصي. أصحاب هذه الوظيفة يريدون الترتيب والنظام سواء كان ذلك على الورق / الأبحاث (أكاديميون) أو عبر القوانين (محامون) أو عبر تنظيم الأشخاص والجهود (قادة أو مدراء).

 وظيفة Te هي الوظيفة الأولى عند كلا من شخصية المشرف ESTJ و قائد الأركان ENTJ وهي الوظيفة الثانية عند كلًا من  شخصية المفتش ISTJ و العقل المدبر INTJ.

كيف تعمل  وظيفة التفكير الخارجي (Te)؟

تحاول وظيفة التفكير الخارجي (Te) أن تجعل العالم من حولها أكثر نظامًا وترتيبًا وتضع القوانين لتحقيق تلك الغاية.  هذه الوظيفة تشرح الخطوات المطلوب أدائها بوضوح وغالبًا بلجهة آمره وقد تحاول فرضها على الآخرين.  لهذا ينتهي المطاف بأصحابها في المواقع الإداريه (للمزيد حول عن أنواع المراتب الإدارية وعلاقتها بهذه الوظيفة).  تُركز وظيفة Te على الجانب الأيسر من الدماغ وهو الجانب التحليلي، المنطقي والمنظم (رغم أن تقسيم المخ لنصفين أحدهما تحليلي والآخر إبداعي هو تقسيم فيه شيء من السذاجة ولا يعكس  التعقيد  في ترابط نصفي الدماغ ولكنني أذكره هنا من باب التقريب). تحاول وظيفة  Te أن تقسم ما تراه أمامها إلى أجزاء صغيرة حتى ترتبها من جديد  وتطبق عليها قوانيها  وتميل لمحاولة ترتيب الإشياء بصورة هرمية  (على هيئة أولويات) خصوصًا عند شخصيات الـ TJ.

وظيفة التفكير الخارجي (Te) عدوة الغموض. فكل شيء يجب أن يتم تعريفه بشكل دقيق: الأنظمه، القوانين، الخطط والإجراءات. فهي تشرح بدقة كيف تنتقل من نقطة أ إلى نقطة ب وستقدم خرائط، وعنواين وإتجاهات لكي تساعد من يقرأها على الفهم والتنفيذ بدقة وتنتظر منهم أن يعاملوها بالمثل. من وجهة نظر شخصيات الـ ExTJ لا يمكن التقدم خطوة للأمام دون أن يكون الكل مُلمًا بالإجراءت التي يتفق عليها الجميع وذلك لتوحيد الجهود وعدم إضاعة الوقت.

وظيفة التفكير الخارجي (Te) تحب الأرقام. شعارها المُحبب (“إئت لي بالأرقام” أو ” الأرقام لا تكذب”). فهي تعتقد بأن الأراء الشخصية عادة ما تكون متحيزة بل وخاطئة في حين أن الأرقام والحقائق هي المصدر الأساسي الذي تتكئ عليه عند إتخاذ قراراتها. ولذلك فهي تشعر بالألفة مع التجارب العلمية الحديثة المبنية على الدليل (evidence-based practice) لأنها تخاطبها مباشرة وتقدم لها  أدلة  محايدة أقرب للحقيقة. تعتقد شخصيات الـ TJ  بأن طريقة العلم التجريبي الحديث يحب أن تكون أساس الحضارة و العمود الفقري للمعرفة البشرية و ترى بأنه الوسيلة الأكثر نجاعة عند إتخاذ القرارات المهمة.

هل هناك أمثلة ؟

  • هنري فورد ENTJ

112_0807_03z-ford_model_t-assembly_line

اذا اردت أن تتخيل شخصًا يستخدم  وظيفة التفكير الخارجي (Te) فتخيل هنري فورد الذي كان أول من بدأ في تصنيع السيارات بشكل تجاري كبير بواسطة فكرة (خطوط الإنتاج) كما في الصورة بالأعلى.  هنري فورد (يعتقد بأنه ENTJ) صمم خطوط التجميع بشكل مرتب،  بحيث يكون لكل شخص مهمه معينة، يعرفها بدقة تامة وفي مسار معين ويجب الإنتهاء منها في وقت محدد سلفًا. هذا الترتيب الشبه عسكري أدى لتقليل الوقت المُهدر والعشوائية لأن كل شخص يعرف بالضبط ما المطلوب عمله بدقة والكل يعمل كما لو كانوا تروسا في آلة كبيرة. لذلك زادت الإنتاجية وقلت الأخطاء المصنعية وتمكن هنري فورد من إنتاج السيارات بشكل تجاري حول العالم. وبشكل عام فإن الثورة الأوروبية الصناعية في مجملها تبدو كما لو كانت نتاجًا مباشرا لهذه الوظيفة.

ماهي العلاقة بين وظيفة التفكير الخارجي (Te) ووظيفة المشاعر الداخلية (Fi)؟

هناك شيء غريب حول أصحاب وظيفة Te. فهم يبدون من الخارج مُخيفون، صارمون وربما قد يشوبهم شيء من الشدة والحدة ولكن في حالات وظروف معينة يبدون مرهفي الإحساس بشكل لا يمكن تفسيره. هذه الحالة نادرة لا تظهر على الملأ ولكنها عميقة أحيانا و جياشة بشكل يدهش حتى أصحابها.

هناك تفسير منطقي لهذا التناقض. فلو لاحظت ترتيب الوظائف النفسية في شخصيات TJs و شخصيات FPs لوجدت بأن وظيفتي Te-Fi دائما ما تترافق.  ومع أن هاتين الوظيفتين قد تبدوان متناقضتين إلا أنهما مكملتين لبعضهما البعض.  فمن جهة؛ وظيفة المشاعر الداخلية (Fi) تقدس وتهتم بالذات وماهيتها (من أنا؟ أين موقعي في الحياة؟ ما هي الصفات التي تميزني عن الآخرين وتجعلني متفردا؟ ماهي القيم التي أؤمن بها؟). وعلاوة على ذلك تهتم وظيفة Fi كثيرًا بالضعفاء وتحّن عليهم (هذا يشمل كل المخلوقات التي قد تعاني مثل الأطفال، الحيوانات، كبار السن، الفقراء).

ولذلك فإن شخصيات الـ TJ  مثل (INTJ / ENTJ / ESTJ / ISTJ) التي تبدو من الخارج خاليًة من المشاعر بسبب المظهر الصارم لوظيفة Te، عادة ما تحبس بداخلها أحاسيس عميقة  شديدة التأثر والتعلق بسبب وظيفة المشاعر الداخلية (Fi) خصوصًا تجاه وقوع الظلم،عدم المساواة، أو عند رؤية الضحايا أو إستهدافهم (يشمل ذلك الحيوانات).  وعند وقوع الظلم عادة ما تسنّ وظيفة التفكير الخارجي (Te) قوانين جديدة لحماية المستضعفين.   هذا التكامل بين وظيفتي Te-Fi بإختصار يرفع شعار “العدل والمساواه”  للجميع.

ماهي مناطق الدماغ التي تنشط مع وظيفة  Te؟

بشكل عام، وظيفة التفكير الخارجي (Te) تنطلق من النصف الأيسر من الدماغ (القسم التحليلي) ويرتبط عملها عادة بالخصائص التالية:

  • تعتمد على أشياء يمكن قياسها بالحواس (الأدلة المحسوسة).
  • تميل لوضع الأهداف و للإنتهاء من المهام (action).
  • أحيانا لديها نزعة للعمل بسرعة شديدة (حتى لو كان ذلك على حساب الدقة فهي وظيفة عملية).

أشارت أبحاث الدماغ التي قام بها (داريو ناردي) إلى أن الكفاءة والرغبة في تقليل الهدر التي تمارسها وظيفة التفكير الخارجي (Te)  لها جذور عميقة داخل الدماغ ويبدو أن هناك ترشيدًا كبيرًا في إستخدام طاقة العقل. وبشكل أدق، عندما تنشط هذه الوظيفة، فإن معظم مناطق الدماغ  تخفت (وكأنما تم إسكاتها) ماعدا منطقة Fp1. كل شيء يخمد بما في ذلك مناطق المشاعر حتى لا تتداخل مع عملية إتخاذ القرار. ولهذا فإن من يستخدم هذه الوظيفة (يفكر بعقله لا بقلبه) وبشكل سريع يخلو من المشاعر. هذه وصفة مناسبة جدًا لإدارة الآخرين وتوجيههم.

بالإضافة لذلك، أشارت ابحاث الدماغ بأن وظيفة Te عندما تحاول أن تشرح أسبابها التي دعتها لإتخاذ قرار ما، ينشط مكان آخر في الدماغ يُقدم تفسيرات مبنية على القيم الشخصية (في نصف الدماغ الأيمن) ويرتبط بمشاعر سلبية عندما تقييم ما يراه وقد يقول (“هذا مجرد غباء” أو “هذا  أمر خاطئ أخلاقيًا”).  هذا الإكتشاف يدعم حقيقة ترابط وظيفتي Te-Fi كما ذُكر بالأعلى.

كيف تختلف وظيفة التفكير الخارجي (Te) عن  وظيفة التفكير الداخلي (Ti)؟

 وظيفة التفكير الداخلي (Ti) هي نموذج مختلف للمنطق يختلف جذريًا عن ذلك المنطق الذي تنتجه وظيفة Te. فوظيفة Ti ليست مُحايدة بل تنبع من الداخل وبدلا أن تبحث عن الأدلة في العالم المحيط بها، تحاول إيجاد البراهين طبقا لمعاييرها الداخلية  وعادة ما تقضي وقتًا طويلًا  في تمحيص ما تراه (permise) و الإفتراضات المبنية عليها (assumption) وتستمر في عملية صقل هذه الإستنتاجات بلا كلل حتى تظهر خالية من العيوب وتصبح منطقية تمامًا (دون الحاجة لأن يدعمها دليل تجريبي).

وظيفة Ti بطبيعتها وظيفة نقدية وتحاول الإختصار دائمًا (reductive) ولذلك قد تلاحظ بأن ردود الأشخاص الذي يستخدمون Ti عادة ما تكون مقتضبه  ويقدمون خلاصة الخلاصة. سأتحدث عن  وظيفة التفكير الداخلي بالتفصيل في مقال آخر.

في المقابل، وظيفة Te إيجابية وتتطلع للأمام (خاصة عند الـ ETJs) وتقدم بإستمرار حقائق جديدة، قوانين، أنظمه، تعاريف وهلم جرا. فهي بطبيعتها وظيفة إنتشارية (ككل الوظائف الخارجية الإنتشارية Fe, Te, Ne, Se على عكس الوظائف الداخلية التي تكون إختزالية).

قد تشاهد صراع الـ Ti-Te في أي مؤسسة أو منشأة، فأصحاب Te يحاولون تحسين العمل عبر وضع قوانين جديدة بينما أصحاب Ti يمانعون هذه الإجراءات المشددة التي تحد من حريتهم الشخصية. لكي ترى وظيفة Te  في أجمل وأزهى حللها  فما عليك إلا أن تقرأ  في العلوم الحديثة (المبنية على التجارب المُحَكّمة). فهي تعتمد على الدليل الحسي والتجربة والأرقام والكثير من القوانين للوصول للحقيقة. ولذلك فأصحاب Te  تناسبهم (وظيفة العالم والباحث) ويشعرون بالراحة التامة معها. بينما تعتقد وظيفة الـ Ti بأنه يمكن للشخص أن يستخدم تفكيره الداخلي وبراهينه وطرقه الخاصة حتى يصل للحقيقة دون إجراء التجارب (وظيفة الفيلسوف).

التفاعل بين Ti-Te مُدهش وبديع وله أبعاد كبيرة سأتناولها في موضوع مستقل لأناقش تأثير كل منهما على سير العلوم والتقدم الحضاري البشري.

ماهي عيوب  وظيفة التفكير الخارجي (Te)؟

كبقية الوظائف، للتفكير الخارجي Te مزايا كثيرة في مقابل بعض العيوب. إدراك هذه العيوب قد يساعد صاحبها على التغلب عليها وتطويرها نحو الأفضل.

  • الغضب
  • التعصب
  • البيروقراطية
  • الإنفجارات العاطفية

لأن وقع عمل وظيفة Te سريع جداً  (عجولة) ويستلزم عملها إغلاق بقية مراكز المخ (بما فيها مناطق التعاطف مع الآخرين)، فإن الكثير مما تقوله وظيفة Te قد يكون سهامًا جارحة للكثير من الشخصيات التي لا تتقبل النقد (ومن منا يتقبل النقد بصدر رحب؟!).

من الجيد التريث لوهلة قبل نطق الأحكام. فالتنفس لعدة ثوان و إستحضار تأثير ما تنوي قوله على من أمامك قد يساعدك على التخفيف من حدة اللهجة أو قولها بطريقة ألين جانبا.  وفي الحالات التي تختار فيها أن ترد على الآخرين كتابيًا – إما عبر رسالة جوال أو إيميل – فجرب أن تكتب كل ما تريد وأخرج كل مشاعرك الغاضبة ولكن دون أن ترسلها. إحفظها في المسودات ثم اتركها لمدة ٢٤-٤٨ ساعة وعد إليها بعد أن تهدأ فورة وظيفة Te. ستجد بأن تلك المسودة تحوي الكثير من اللغة السلبية أو الهجومية التي يمكنك أن تستبدلها بأخرى أقل حدة وأكثر إيجابية حتى تحافظ على شعرة معاوية.

لهذه الحيلة البسيطة مردود كبير من الإيجابيات التي تدهشني في كل مرة. فقد أكتشف بأنني أسأت الفهم – أو الظن- بما قاله الطرف الآخر وأحيانا أكتشف بأنه كان متعبًا أو في ظروف صعبة عندما كتب رسالته. فأحمد الله على أنني لم أخسره بسبب الإستعجال ولم أجعله يتحول لعدو يحمل في قلبه حقدًا وضغينه.

وظيفة التفكير الخارجي Te  تؤمن إيمانًا عظيماً  بالتجارب العلمية (العملية) وبما تراه وتحس به. وهذا لا غبار عليه ولا جدل حول أهميته ونجاعته. فالتقدم التقني الحضاري  الذي نعيشه اليوم يعود في مجمله للنهضة الأوربية الحديثة التي إعتمدت العقل والتجارب العلمية.  ولكن هذا لا يجب أن يترك العنان لهذه الوظيفة لكي ترفض كل مالا يستند على دليل حسي. الدين والروح وحتى المنطق الفلسفي (Ti) قد تُضطهد أيما إضطهاد لو سيطرت وظيفة Te على العالم. وقد يقتل هذا الأسلوب تنوع الحياة وغناها ويخنقها ( يشمل ذلك الأدب، الفن، العواطف، الفلسفة).

في الحالات القصوى (ENTJ / ESTJ)، قد تصيب هذه الوظيفة صاحبها بالتعصب الفكري لمذهب، دين أو مبدأ. وقد تفرض على نفسها وعلى الغير الرضوخ لمجموعة من القوانين أو الأفكار أو المبادئ الصلبة التي لا تتزحزح قيد أنمله (moral code). وقد تلاحظ على أصحابها تكرار إستخدام كلمات مثل (يجب، ينبغي، على الناس أن .. ). إذا زاد هذا الأمر عن حده فقد تتحول العلاقة إلى علاقة سيطرة (ديكتاتورية) غير متوازنه مع القريب قبل البعيد. 

من الجميل بل والمطلوب أن يكون هناك قوانين وإجراءات تحكم وتنظم سير العمل ولكن إذا زادت عن حدها فقد تشل المؤسسة أو المنظمة ويصبح الآداء بطيئا جدًا. وفي بعض الحالات قد تصل البيروقراطية لحالات مضحكة / مبكية كما ذكر مقدم برامج السيارات البريطاني الشهير (جيرمي كلاركسون) فى أحد كتبه الكوميدية حينما إنتقد أنظمة هيئة الإذاعة البريطانية BBC لأنها أصبحت بيروقراطية لدرجة أن هناك دليل إستخدام كامل للطريقة التي يجب عليك إتباعها من إجل فتح باب الخروج عند الحريق! ( لماذا يوجد دليل استخدام؟ إفتح الباب وإهرب بجلدك). التوازن بين كمية القوانين وبين إتاحة مساحة للعمل بحرية هو أمر جوهري حتى لا تنفر الشخصيات التي تحتاج حرية ولمساحة إبداعية. اترك مساحة للغير ليقوموا بالأشياء بطريقتهم التي لا تعجبك وغالبا ستتدهشك النتيجة التي قد يصلون إليها.

bureaucracy

البيروقراطية

لا شيء يقف في وجهها

في بعض الحالات النادرة – وخاصة عندما تقع وظيفة المشاعر Fi في المرتبة الأخيرة – قد تظهر على أصحاب وظيفة Te حالات غريبة من العاطفة الجياشة، الحنين للماضي، مشاعر وفاء فياضة ، ولكن هذه المشاعر مبهمة تخرج للسطح بشكل يفاجئ من حولهم وقد تبدو غير منطقية ولا يمكن تفسير السبب الذي دعى لظهورها. في هذه الحالات، تتوقف وظيفة التفكير Te على حساب اللاوعي و على حساب المشاعر التي لم تنضج.  لا تحاول أن تمنعها من الظهور كلية ولكن في نفس الوقت لا تتخذ قرارت مصيريه  – وأنت تحت سيطرة هذه المشاعر – قد تجعلك تندم لاحقا.

التعليقات مغلقة